صدقاء

📖
افتتاح موقع التفسير اضغط هنا

ماذا يحدث لو سجد إبليس لآدم عليه السلام؟ هل كنا سنكون في الجنة الآن؟

 ماذا يحدث لو سجد إبليس لآدم عليه السلام؟ هل كنا سنكون في الجنة الآن؟ 

في لحظة من لحظات الرحمة واللطف الإلهي، نفخ الله من روحه في آدم عليه السلام فدبت فيه الروح وأصبح بشراً سوياً يتنفس ويدير نظره يمنة ويسرة. أخذ يتأمل حاله ويتأمل المكان حوله ويحرك يديه ويمشي. جاءت اللحظة الفارقة بين الحق والباطل، إنها لحظة الاختبار الكبرى. أمر الله الملائكة أن تسجد لما خلقه بيده ونفخ فيه من روحه، أمرهم أن يسجدوا لآدم عليه السلام سجود تحية وتكريم لا سجود عبادة. سجدت الملائكة جميعاً.


لكن كان هناك مخلوق آخر لم يسجد، وهو إبليس من الجن وليس من الملائكة. رفض السجود لآدم عندما أمره الله مع الملائكة. كان إبليس قبل ذلك شديد الطاعة لربه، مواظباً على العبادة والتقرب إليه. قال الله تعالى له: «مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ». قال: «أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ». النار في نظره أفضل من الطين، فكيف يسجد لمن خلق من طين وهو مخلوق من نار؟ فأمره الله بالخروج من الجنة ملعوناً إلى يوم الدين. طلب إبليس النظرة إلى يوم البعث فأمهله الله إلى الوقت المعلوم.

يسأل كثير من الناس: ماذا لو أطاع إبليس الأمر الإلهي كما أطاعت الملائكة وسجد معهن لآدم؟ هل كان الرحمن سيطرده من الملأ الأعلى ومن رحمته؟ هل كان يمكن أن يصبح إبليس رمزاً للخير كما الملائكة، يدفع إلى الخير ويقف ضد الشر؟ أين الشر في مثل هذا الاحتمال؟

يجب أن نعرف أولاً أن خروج آدم من الجنة لم يكن بسبب رفض إبليس السجود، بل بسبب أكل آدم من الشجرة التي نهاه الله عنها. أكل بسبب وسوسة الشيطان، لكن السبب الحقيقي للخروج هو معصية آدم ربه. في صحيح مسلم أن آدم عليه السلام يقول للمؤمنين من ذريته يوم القيامة عندما يطلبون منه أن يفتح لهم باب الجنة أو يبدأ الحساب: «أليس بخطيئة أبيكم آدم أُخرجتم من الجنة؟» لا يعتذر بوسوسة الشيطان أو بامتناعه عن السجود.

ذكر بعض العلماء أنه لو لم يفعل آدم ذلك لكنا بقينا في الجنة، وهذا يُفهم من محاورة موسى مع آدم عليهما السلام. قال موسى: «أنت آدم الذي أخرجتك خطيئتك من الجنة»، يقصد أكل الشجرة. لام موسى آدم على أنه سبب خروج ذريته من الجنة التي أسكنه الله فيها. رد آدم: «أنت موسى الذي اصطفاك الله برسالاته وكتب لك التوراة، وفيها قصتي وما جرى لي، ثم تلومني على أمر قُدر عليّ قبل أن أُخلق، وقد كتب الله أنه كائن لا محالة لعلمه السابق. كيف أعمل بخلاف علم الله؟ كيف تنسى العلم السابق وتذكر السبب وتنسى الأصل وهو القدر وأنت من المصطفين الأخيار؟» فحج آدم موسى. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فحج آدم موسى» مرتين.

لم يكن آدم يحتج بالقدر على فعل المعصية، بل يحتج به على المصيبة الناتجة عن فعله وهي الخروج من الجنة. القدر يُحتج به في المصائب لا في الذنوب. لا يحق لأحد أن يحتج بالقدر على ارتكاب المعاصي، وإلا لاستحل كل قاتل وأخذ مال ومفسد في الأرض أن يقول هذا قدر. خطأ أن نقول لو لم يأكل آدم من الشجرة لما هبط إلى الأرض. قد يكون الله قدر هبوطه لسبب آخر. خلافة آدم في الأرض كانت مقدرة قبل خلقه وقبل أكل الشجرة. كانت المعصية مجرد سبب للحدث المقدر. إذا انعدم سبب قد يقدر الله سبباً آخر.

حكمة الله اقتضت أن يأكل آدم وحواء من الشجرة ليكون ذلك درساً لذريتهما فلا يتبعوا من أضلهما وهو إبليس الملعون. لو هبط آدم إلى الأرض قبل هذا الاختبار لما عرف الخير من الشر ولا عرف عدوه الحقيقي إبليس. خُلق آدم ليكون في الأرض مع ذريته، وقدر الله ذلك قبل خلقه. كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء، كما في حديث عبد الله بن عمرو في صحيح مسلم. إذا قدر الله شيئاً قدر أسبابه وهيأها. من ذلك أن يكون آدم خليفته في الأرض يعمرها بذريته، كما قال تعالى: «هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا». قدر سبب الهبوط وهو الأكل من الشجرة مع ما فيه من ابتلاء ليكون عبرة.

لو سجد إبليس وأطاع الأمر لصار ولياً وصديقاً للمخلوق من الطين. حتى لو افترضنا أن الله أنزله مع آدم إلى الأرض، هذا بذريته في عالم ظاهر وذاك بذريته في عالم خفي، لكان من الممكن أن تتبع ذرية إبليس أباها في الخير والصلاح، فيغيب الشر لغياب الوسوسة والإغواء بأشكاله المختلفة. ومع كثرة الأسئلة والاحتمالات المصاحبة، لا ينبغي للسائل أن يشغل نفسه وعقله بما لم يقع. الأولى والأفضل أن يوجه جهده وعقله نحو العودة إلى الجنة والنجاة من النار برحمة الله، بزيادة الأعمال الصالحة ليدخل في رحمة الله ثم يدخل جنته وينجو من ناره. هذا أنفع لذلك المفكر والسائل.

نسأل الله أن ينجينا من النار ويدخلنا الجنة برحمته. اللهم إنا نسألك حسن الخاتمة وأعلى الجنان بلا حساب ولا سابقة عذاب برحمتك يا أرحم الراحمين. والله أعلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق